عادل رشدي: راديو شباب المغرب

لا يفتأ حلم الهجرة يداعب عقول الشباب المغربي على امتداد أقطاره.. يدفعهم إلى ذلك صعوبات كثيرة تواجههم إلى أوطانهم الأم، من بينها التكافؤ في الحصول على فرص العمل والدخل المحدود وتدني الخدمات الاجتماعية ونقص الحريات.

وعادة ما ترتبط أحلام المهجر في رؤوس الشباب المغربي بالثراء السريع والكفاءة العلمية والوجاهة الاجتماعية، إضافة إلى متعة الانتماء إلى الحضارة المنتصرة، وهو الأمر الذي يوقعهم كثيرا ضحية لإعلانات الهجرة المضللة التي تنشر في الجرائد، وتستغل الطموح الزائد وقلة الخبرة لدى الشباب لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وفي لقاء مع مجموعة من الشباب الذين يسعون إلى الهجرة يقول “عتمان” الحاصل على بكالوريوس السياحة والفنادق من المغرب: تخرجت منذ خمسة أعوام وحتى الآن لا أجد الوظيفة المناسبة، وتراودني فكرة الهجرة لأي دولة أجنبية، وسمعت من أصدقائي عن إمكانية النجاح في الخارج وسهولة الحصول على عمل بأجر مجزٍ، ولكنني الآن أفكر كثيرا بعد ما حدث في أمريكا خلال العام الماضي، فكثير من زملائي رجعوا من هناك، وهم يتحدثون عن سوء المعاملة وجلسات التحقيق، ونظرات الناس التي تلاحقهم في الشوارع بارتياب، والتي قد يصحبها أيضا دفعة باليد أو سبة باللسان أو قذفة بحجر.

ويقول “عبد الرحيم ضريف” وهو عامل في إحدى شركات المغربية في نجارة الأليمنيوم: سافرت في الصيف إلى عدة دول أوروبية مثل هولندا وفرنسا وكندا، وانبهرت بهذه الدول جدا، فهي أكثر تنظيما وللأسف الشديد هي أيضا أكثر عدالة من المغرب، فلا يوجد لديهم منطق الواسطة في الحصول على فرص العمل، وطريق النجاح هناك واضح ومستقيم، وهو العمل الجاد، وليس العلاقات الشخصية، أو الرشوة والمحسوبيات، ولهذا السبب أحاول الحصول على فرصة للهجرة إلى أوروبا، وتقدمت بطلب هجرة إلى أمريكا ولكنه رفض وحمدت الله على ذلك .

ويقول عمر 25 عاما أنا لأن أدرس ميدان الحلاقة وعاطل عن العملء  : فشلت طوال 5 سنوات في الحصول على فرصة عمل ثابتة ومستقرة، وما أزال أبحث عن فرصة عمل تضمن لي دخلا جيدا لأكوّن أسرة، وأثناء بحثي في الصحف عن فرص العمل أطالع كثيرا إعلانات الهجرة، وأقرأ عن المكاتب التي تساعد على السفر، ورغم أن الحلم يداعبني كثيرا، ولكن قلبي لا يطمئن لهذه الإعلانات، وخاصة أنني سمعت أن كثيرين من الشباب دفعوا أموالا من دون طائل.

أما سارة فنانة مغربية فتقول: نسمع أن الأجور في الولايات المتحدة مرتفعة جدا في مهنة مثل مهنتي، وتصل في بعض الأحيان إلى عشرين ألف دولار لكل عمل، وهو رقم خيالي، ولكن لا أعرف مدى تقبل المجتمع الأمريكي للمغرب .

الهجرة العشوائية
ومن أشهر طرق الهجرة إلى الولايات المتحدة التي يندفع إليها الشباب ما يسمى بـ “اليانصيب الأمريكي”، وهو البرنامج السنوي الذي يفتح الطريق أمام راغبي الهجرة إلى أمريكا عن طرق القرعة العشوائية، ويتيح هذا البرنامج 55 ألف فرصة للهجرة والإقامة والعمل في إطاره سنويا، ويكون من حق هؤلاء بعد سنوات معدودة الحصول على الجنسية الأمريكية.

وعملية السحب في هذا “اليانصيب” تتم عن طريق الكمبيوتر لاختيار الفائزين، ورغم ذلك لا يخلو الأمر من محاولات استغلال الشباب المغربي لأخذ أموالهم، فعندما يقترب موعد برنامج اليانصيب السنوي تبدأ شركات أمريكية، وربما المغربية أيضا، بنشر إعلانات في الصحف عن تقديمها للمساعدة للشباب للحصول على الجرين كارد ورخصة للعمل في أمريكا، وعندما يتصل بهم الشاب يطلبون منه دولارات مقابل ملء الاستمارة الخاصة ببياناته، وهي ذات البيانات المطلوبة في برنامج الهجرة العشوائية، وكل الدور الذي تقوم به هذه الشركات هو إرسال هذه الاستمارات إلى العنوان المحدد لاستقبال الطلبات في أمريكا، بعد كتابة الاستمارات على الكمبيوتر.

ضياع ميزة المجانية
وبذلك فبدلا من أن يستفيد الشاب من ميزة المجانية في هذا البرنامج فإنه يتحول إلى وسيلة للشركات التي تمارس الخداع للتغرير بالشباب، وهي في النهاية لا تتعرض لأي مساءلة قانونية لأن أوراقها تنص على أنها مجرد وسيط بين الراغب في الهجرة وبين الجهة التي ستتولى إجراء القرعة بنظام الكمبيوتر، وأنها لا تتدخل إطلاقا في عملية الاختيار أو ترجيح طلبات بعينها، لأنهم ءكما يشيرون في إعلاناتهمء مكاتب مستقلة لا تتبع الحكومة، وهي معلومات حقيقية، ورغم كونها غير مطمئنة إلا أن الشباب يقبل على المغامرة بدافع أنه لن يخسر أكثر مما يخسره إذا استمر موجودا داخل وطنه.

ويتولى هذه الشركات في الأغلب محامون يقومون بإعداد معلومات تسهل مهمة الراغب في الهجرة، وتوضح له الشروط المطلوبة والبيانات المراد استكمالها باللغة العربية، وهي ذات البيانات الموجودة على موقع إدارة الهجرة الأمريكية باللغة الإنجليزية مجانا لمن أراد.

أما بالنسبة للحقوق الممنوحة للفائزين، فهي تعطي لهم حق الإقامة الدائمة والعمل داخل الولايات المتحدة وشغل الوظائف الحكومية المتاحة والتمتع بكافة الخدمات التي يحصل عليها المواطن الأمريكي مثل العلاج والتعليم، وأيضا الحق في ضمان أقاربهم الراغبين في الحصول على الجرين كارد مستقبلا، والمهاجر يمكنه الاحتفاظ بجنسيته الأصلية والحصول على الجنسية الأمريكية بعد عدة سنوات من إقامته هناك.
والشباب الذين يحق لهم الاشتراك في هذا اليانصيب، سواء كان زوجا أم زوجة أو عَزَبَ، من كان محل ميلاده في إحدى الدول التي يطبق عليها اليانصيب الحكومي للهجرة، والذي يشمل كل دول العالم ماعدا كندا والصين وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والسلفادور والهند وجاميكا وكوريا والمكسيك والفليبين وتايوان وإنجلترا وفيتنام.

أما الشروط المطلوبة للالتحاق فهي الحصول على مؤهل عال أو عامين من الخبرة في عمل ثابت، وتقديم عدد من الأوراق الرسمية ومنها صحيفة الحالة الجنائية وضمان اللياقة العقلية والصحية، وألا يكون الشاب قد سبق له الإصابة بمرض معد أو أدمن المخدرات.
وحصول الزوج على الجرين كارد يعني حصول الزوجة على نفس الفرصة وكذلك الأبناء غير المتزوجين تحت 21 سنة، والأوراق المطلوب إرسالها أيضا صورة جواز السفر وطلب الاستخدام وشيك بالمصاريف المطلوبة.

الهجرة إلى كندا
أما الهجرة إلى كندا فلا يتبع فيها نظام القرعة، ولكن تتم عن طريق التقدم بطلب إلى السفارة يتم بحثه، وعقد امتحانين للمتقدم لتحديد إمكانية قبوله بناء على درجة إجادته للغتين الرسميتين في البلاد (الإنجليزية والفرنسية) إضافة إلى مدة خبرته، ونوع التخصص الذي يجيده، ومستوى تعليمه، ووجود أقارب له في كندا من عدمه.
وفي حالة موافقة السفارة على عقد امتحان للمتقدم، فإنها تطلب منه رسوما باهظة تكون غير مضطرة إلى ردها في حالة رسوبه في الامتحان.

ولعبا على وتر زيادة فرص النجاح، يجد بعض المهاجرين السابقين إلى كندا من أصول عربية الفرصة سانحة لاستدرار أموال من جيوب أبناء شعوبهم الأصلية، ولذلك فإن الإعلانات تنشر في الصحف المصرية مثلاء عن مكاتب تعمل على تسهيل الهجرة إلى كندا، ويدفع في مقابل الخدمات التي يقدمها هذا المكتب مبلغا كبيرا، ليزوده المكتب بنصائح حول كيفية التقدم والإجابة بنجاح على أسئلة الامتحان الشفهية والتحريرية، وكيفية اختيار الولاية التي يهاجرون إليها، وأفضل أشكال الهجرة التي يمكن قبول صاحبها.

إلى نيوزيلندا
وبالمثل لا يختلف أسلوب الهجرة إلى نيوزيلندا التي تقع في آخر محطة في قطار العالم ء على بعد 2000 كيلو متر جنوب استراليا، و2000 كيلو متر أخرى شمال القارة المتجمدة الجنوبيةء لا يختلف أسلوب الهجرة إلى تلك الجزيرة النائية عن الهجرة إلى كندا التي تحتل معظم مساحة أمريكا الشمالية بتعداد سكان لا يزيد في الأولى (نيوزيلندا) عن 4 ملايين نسمة، وفي الثانية (كندا) عن 30 مليونا.
ولكن المفارقة التي يفاجأ بها الشاب هناك هو أن الدولة لا تقدم له خدمات كبيرة كمهاجر، وتترك عليه بالكامل عبء البحث عن عمل، ومواجهة صعوبات الحياة.

وربما لهذا السبب فإن الهجرة إلى كندا أو نيوزيلندا لا تصلح إلا لمن يملكون مخزونا وافرا من المال، وإلا فإن الراكب سيضطر إلى تكبد تكاليف تذكرة غالية الثمن للعودة من هناك خالي الوفاض.